بسم الله الرحمن الرحيم
(أهل مكَّةَ أدْرَى بشعابِها) ،/ لطالما آمنت بصحت هذه المقولة ، فهي تتوافق تماماً مع العقل و المنطق و ما مررت به من تجارب و مواقف أثبتت لي دائماً أن أهل مكة أدرى بشعابها !
عندما يناقشني طالب العلوم في أحدث تطبيقات الفيزياء الحديثة -مثلاً- أو عن آخر ما بني على معادلة آينشتاين للطاقة ، فإني لن أنطلق كثيراً في رحلة النقاش هذه ، فهو يمضي 8 ساعات يومياً في هذا المجال بينما تقتصر معلوماتي على ما أقرأه من مجلة (العربي) أو أسمعه من نشرة الأخبار ! فكيف لمثلي أن يناقش مثله ؟!
كذلك ، كنت دائماً أقترح على أبي أن يجلب ميكانيكياً ليصلح عطلاً بسيارته بدلاً من أن يمضي الساعات الطوال محاولاً إصلاحه إياه بنفسه ، و كان يرد "له يدين و لي يدين و يرى كما أرى !"
في الواقع كان أبي ينجح في إصلاح العطل بعد أن يمضي ضعف الوقت الذي يحتاجه الميكانيكي ، و حينها دائماً أفكر في المقولة : "عط الخباز خبزه ، و لو أكل نصفه" .
هذا هو واقع عصرنا الحالي ،/ حيث التخصص سمته التي لا تفارقه في أصغر تفصيلٍ من تفاصيله ، و حيث أصبح التعمق العمودي سر النجاح وسط تراجع و تلاشي علماء المجاميع ممن يأخذون (شيء من كل شيء) // فهذا زمان الـ (كل شيء من شيء) ..
لذلك لا أستغرب أبداً إن رأيت أبي ينتقد العطار و النجار و الصباغ و الحداد و السَمَّاك و عمال المناجم و استشاريي (الشامل) و المحللين السياسيين في الجزيرة و نظرائهم الاقتصاديين في العربية و أمين عام الأمم المتحدة و المقاتل الذي يدافع عن حدود دولة عربية أو أجنبية ! فـهو هكذا من زمن ما قبل التخصص حيث يعرف (أو يعتقد أنه يعرف) من كل شيءٍ شيئا ..
لكن ،/
ماذا عنَّا نحن ؟!
ألسنا أبناء التخصص ؟!!
ألا يصر طالب (علوم الحاسوب) بأنه محتلف عن نظيره طالب (هندسة الحاسوب) ، و بالتالي فإن لآرائه الأولوية في مجال تخصصه ؟
كذلك ،/ ألا يعتبر التدريب علماً من العلوم يحتاج إلى التخصص ؟!
ألا يعتبر المدرب الذي يعيش مع الفريق لحظة بـلحظة و ساعة بـساعة طوال الموسم ، ألا يعتبر هو الرجل الأدرى بأمور فريقه ؟ ألا يعتبر متخصصاً فيما يقوم به و بالتالي فإن لآرائه الأولوية في هذا المجال ؟
/
أستطيع أن أجزم ، بأنه لا يوجد بيننا من لم ينتقد مدرباً يوماً و هذا منطقي ، فللانسان طبيعة انتقادية لكل حدثٍ لا يتناسب مع ما يراه مناسباً حتى و لو لم يكن (عليماً) بما ينتقده ، و حتى و إن كان الشخص المُنْتَقَد أخبر منه في مجاله ..
لكن ، لنأخذ نفساً عميقاً و نسأل أنفسنا و لو لمرة واحدة :
كيف نعطي لأنفسنا الحق في التأكد من صحة آرائنا و بالتالي مجانبة رأي المدرب للصواب ؟
مالذي نملكه نحن و لا يملكه هو ، لكي تصيب نظرتنا و تخيب نظرته ؟
لنستعرض سريعاً -و باختصار- خطوات اتخاذ القرار ، حيث نبدأ بحصر المعلومات المتوافرة ، و من ثم نحللها و من خلال خبرتنا نبني القرار المناسب .
يتفق معي الجميع أن أكثر شخصٍ متابعٍ لأمور فريقٍ -بيننا- هو أقل متابعة من مدرب الفريق عينه ، و بالتالي فإنه من المحال أن تتوافر لنا معلومة نستطيع على إثرها اتخاذ قرارٍ ما ، و لا تتوافر هذه المعلومة للمدرب ، كمثال :
من المحال أن نعلم نحن أن (كروز) مثلا أكثر جهوزية من (أدريانو) و لا يعرف مورينهو ذلك !!
اذاً ، لا معلومات لدينا لا يملكها مدرب الفريق بينما بالتأكيد يعرف هو ما لا نعرفه نحن .
في المرحلة الثانية ، نقوم بتحليل المعلومات و نتخذ القرار بناءً على خبرتنا في مجاله ، و هنا نطرح سؤالاً مرة أخرى : هل يعتقد أحدنا أنه أخبر بشؤون التدريب و اللعبة من سباليتي أو خليل الزياني ؟!
لا أعتقد ، فنحن في أفضل الأحوال تشكل كرة القدم جزءاً كبيراً من حياتنا ، بينما تشكل حياتهم كرة القدم !!
إذاً ، كـــيـــف ننتقدهم ؟
كــيــف نجزم في أحيانٍ كثيرة أن آراءنا صحيحة و رأيهم خاطئ ؟!
بل و نتعدى ذلك لنطلق ألفاظاً من قبيل (غبي) و (متدرب) لأنه لا يقوم بما نراه نحن صحيحاً !!!!
/
لكن و في المقابل ، كم مرة كنا على صواب و كانوا هم بمعلوماتهم و خبراتهم و مساعديهم على خطأ ؟!!
ألم ننتقد سباليتي كثيراً في بداية الموسم بسبب تشكيلته و اقترحنا التعديلات التي من شأنها تحسين أوضاعه ، و فعلاً عندما نفذ ما قلناه هنا -دون أن يسمعه طبعاً- تحسنت أوضاع روما ..
أليس من المفترض أن يكون هو من أهل روما ، و أن يكون أدرى بشعابها ؟!
أعزائي :
- على أي أساس تبنون انتقاداتكم لخطط المدربين و قراراتهم و تجزمون بصحة آراءكم ؟
- كيف تفسرون صحة رأي الجماهير أحياناً و خطأ قرار المدرب ، بالرغم من متابعته للفريق طوال الموسم لحظة بلحظة في كل التدريبات و المباريات ، بينما نبني رأينا نحن على ما نشاهده من مباريات رسمية فقط !
- في ضوء السؤالين السابقين ، هل تؤمنون بأن أهل مكة أدرى بشعابها ؟!
/
الموضوع لا يحتوي على وجهة نظري الشخصية ، و إنما حاولت من خلاله تسليط الضوء على مسألة انتقاد المدربين ، و كيف أن آراءهم تخيب مع كثر ما لديهم من معلومات و عظيم ما يمتلكون من خبرات مقابل شح معلوماتنا و قليل خبراتنا !
أنتظر آراءكم ، و إن شاء الله سأضع رأيي الشخصي لاحقاً 
تحياتي لكم ، جميعاً :قلب: